عبد الله بن أسعد اليافعي اليمني المكي

217

مرآة الجنان وعبرة اليقظان

قلت : وحصل بيني وبينه اجتماع في حجة في المدرسة الشهابية من المدينة الشريفة لأنه نزل فيها ، وكنت قبله نازلاً بها ، ثم سألته عن مسألة خطرت لي ، وهي أني قلت له : في الذكر الوارد في كفارة المجلس . لا يخلون إما أن يكون الشخص صادقاً في قوله ، وأتوب إليك ، أو كاذباً ، فإن كان صادقاً ، فالمغفرة تحصل بمجرد التوبة ، ولا تفتقر إلى الذكر المذكور من قوله : سبحانك اللهم ، وبحمدك إلى آخره ، وإن كان كاذباً فكيف تحصل له مغفرة مع إخباره بتوبة هو كاذب فيها مصرفي نفسه على معاصيها ؟ فأجابني بجواب في الحال ليس بشاف في هذا السؤال ليس هو الآن لي على بال . وفيها مات في بدر الولي الكبير المشغول بالله الشهير ، الشيخ علي بن الحسن الواسطي الشافعي محرماً متوجهاً إلى الحج ، وكان ذا همة عالية حج مراراً كثيرة واعتمر على ما روى بعضهم أكثر من ألف عمرة ، وتلا أزيد من أربعة آلاف ختمة ، فطاف مرات في كل ليلة سبعين أسبوعاً ورأيته يسرع في طوافة مثل ما يرمل المحرم أو أسرع ، وبلغني أن بعض الناس كان ينكر عليه في إسراعه ذلك ، فرأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، فذكر له ذلك المنكر عليه ، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم : قل له " إن قدر يزيد على ذلك الإسراع ، فليفعل " والذي فهمت منه أنه كان في عدوه ذلك واجد ، أو يدل عليه أني رأيته يطوف في شدة الحر ، فسألته عن ذلك ، فقال : ما أجد حراً ، ولعمري إن كل صادق واجد لا ينبغي أن يعترض عليه فيما يفعله ، ولهذا رأيت غيره من بعض الصالحين يطوف في حال وجده ، وهو يعدو ، فنهاه بعض الفقهاء ، فلم يلتفت إليه ، فأمر بإمساكه ، فسلط الله على ذلك الفقيه من أمسكه من ظلمة السلطنة ، وضربه على القرب من فعله ذلك ، وكان الشيخ علي الواسطي المذكور ، شديد المجاهدة ، يغتسل لكل فريضة في البرد الشديد وغيره . وكان قد بلغني أنه رأى النبي صلى الله عليه وآله وسلم في اليقظة ، فسألته عن ذلك ، فأقر به ، وكان أول اجتماعي به في الليل في شهر رمضان في المسجد الحرام ، فقال : " أجدني أحبك " وأطعمني كسرة من بقية عشائه ، والناس يصلون التراويح ، فقال لي : " ما تصلي بنا " فقلت له : تقدم بنا تصلي مع الجماعة ، فذكر لي كلاماً معناه أنه ما يجد الجماع قلبه في مخالطة الناس ، وكان في ذلك الوقت ثلاثة رجال واسطيون كلهم ملاح ، مع تفاوت طريقتهم في أوصاف الصلاح . أحدهم الشيخ علي المذكور ، وكانت طريقته الانفراد والبعد من الناس كلاهم كأنه أسد ، وكان مهنا ملك العرب يحبه ويعظمه ، ويقسم برأسه على ما سمعت .